ابن قيم الجوزية

231

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الإثم والعدوان وأما « الإثم والعدوان » فهما قرينان . قال اللّه تعالى : وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [ المائدة : 2 ] وكل منهما إذا أفرد تضمن الآخر . فكل إثم عدوان . إذ هو فعل ما نهى اللّه عنه ، أو ترك ما أمر اللّه به . فهو عدوان على أمره ونهيه ، وكل عدوان إثم . فإنه يأثم به صاحبه . ولكن عند اقترانهما فهما شيئان بحسب متعلقهما ووصفهما . ف « الإثم » ما كان محرم الجنس كالكذب ، والزنى ، وشرب الخمر ، ونحو ذلك . و « العدوان » ما كان محرم القدر والزيادة . فالعدوان : تعدي ما أبيح منه إلى القدر المحرم والزيادة ، كالاعتداء في أخذ الحق ممن هو عليه ، إما بأن يتعدى على ماله ، أو بدنه أو عرضه . فإذا غصبه خشبة لم يرض عوضها إلا داره . وإذا أتلف عليه شيئا أتلف عليه أضعافه . وإذا قال فيه كلمة قال فيه أضعافها . فهذا كله عدوان وتعدّ للعدل . وهذا العدوان نوعان : عدوان في حق اللّه ، وعدوان في حق العبد . فالعدوان في حق اللّه : كما إذا تعدى ما أباح اللّه له من الوطء الحلال في الأزواج والمملوكات إلى ما حرّم عليه من سواهما . كما قال تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ( 5 ) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ( 6 ) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ ( 7 ) [ المؤمنون : 5 ، 7 ] وكذلك تعدى ما أبيح له من زوجته وأمته إلى ما حرم عليه منها ، كوطئها في حيضها أو نفاسها ، أو في غير موضع الحرث ، أو في إحرام أحدهما ، أو صيامه الواجب ، ونحو ذلك . وكذلك كل من أبيح له منه قدر معين ، فتعداه إلى أكثر منه ، فهو من العدوان ، كمن أبيح له إساغة الغصة بجرعة من خمر . فتناول الكأس كلها . أو أبيح له نظرة الخطبة ، والسّوم ، والشهادة ، والمعاملة ، والمداواة ، فأطلق عنان طرفه في ميادين محاسن المنظور . وأسام طرف ناظره في تلك الرياض والزهور . فتعدى المباح إلى القدر المحظور . وحام حول الحمى المحوط المحجور . فصار ذا بصر حائر ، وقلب عن مكانه طائر . أرسل طرفه رائدا يأتيه بالخبر فخامر عليه . وأقام في تلك الخيام . فبعث القلب في آثاره ، فلم يشعر إلا وهو أسير يحجل في قيوده بين تلك الخيام . فما أقلعت لحظات ناظره حتى تشحّط بينهن قتيلا . وما برحت تنوشه سيوف تلك الجفون حتى جندلته تجديلا . هذا خطر العدوان . وما أمامه أعظم وأخطر . وهذا فوت الحرمان . وما حرمه من فوات ثواب من غضّ طرفه للّه عزّ وجلّ أجل وأكبر . سافر الطرف في مفاوز محاسن المنظور إليه . فلم يربح إلا أذى السفر . وغرّر بنفسه في ركوب تلك البيداء . وما عرف أن راكبها على أعظم الخطر ؟ ! يا لها من سفرة لم يبلغ المسافر منها ما نواه . ولم يضع فيها عن عاتقه عصاه ، حتى قطع عليه فيها الطريق . وقعد له فيها الرصد على كل نقب ومضيق . لا يستطيع الرجوع إلى وطنه والإياب ، ولا له سبيل إلى المرور والذهاب ، يرى هجير الهاجرة من بعيد ، فيظنه برد الشراب حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ [ النّور : 39 ] وتيقن أنه كان مغرورا بلامع السراب . تاللّه ما استوت هذه الذلة وتلك اللذة في القيمة فيشتريها بها العارف الخبير . ولا تقاربا في المنفعة ، فيتحير بينهما البصير . ولكن على العيون